فخر الدين الرازي
52
الأربعين في أصول الدين
أن الجسم لو كان أزليا ، لكانت الحركة ممتنعة عليه . لكن الحركة غير ممتنعة عليه . أما في الأجسام المشاهدة ، فالحس دال على جواز الحركة عليها . وأما في الأجسام الغائبة . فالبرهان عليه هو الّذي ذكرناه في البرهان الأول . فظهر أن الجسم يمتنع أن يكون أزليا . البرهان الرابع في حدوث ما سوى اللّه تعالى : فنقول : كل ما سوى الواجب الوجود الواحد ، فإنه ممكن لذاته . وكل ممكن لذاته ، فهو محدث . فاذن كل ما سوى ، الموجود الواحد ، فإنه محدث . بيان المقدمة الأولى : وهي قولنا كل ما سوى الموجود الواحد فهو ممكن لذاته . فنقول الدليل عليه : أنا لو فرضنا موجودين ، يكون كل واحد منهما واجبا لذاته . فلا بد وأن يكونا متشاركين في الوجوب الذاتي ، ولا بد وأن يكونا غير متشاركين في التعين . وما به الاشتراك غير ما به الامتياز . فاذن يكون كل واحد منهما مركبا من الوجوب الذاتي ، الّذي حصلت به المشاركة ، ومن التعين الّذي به حصلت المباينة . لكن كل مركب فإنه مفتقر في ماهيته وفي تحققه إلى كل واحد من مفرديه ، وكل واحد من مفرديه مغاير له ، لأن الكل مغاير لكل واحد من أجزائه . فاذن كل مركب ، فإنه مفتقر في تحققه إلى غيره ، وكل مفتقر في تحققه إلى غيره ، فهو ممكن لذاته . فاذن كل مركب فهو ممكن لذاته . فاذن لو فرضنا موجودين واجبي الوجود ، لكان كل واحد منهما ممكنا لذاته . والثاني محال . فاذن فرض موجودين واجبي الوجود : يجب أن يكون محالا . فثبت : أن كل ما سوى الموجود الواحد ، يجب أن يكون ممكنا لذاته . وأما المقدمة الثانية : وهي أن كل ما كان ممكنا لذاته ، فإنه يجب أن يكون محدثا . فالبرهان على صحته : ان كل ما كان ممكنا لذاته ، فإنه مفتقر في رجحان وجوده على عدمه إلى المؤثر . وكل ما كان مفتقرا في وجوده إلى المؤثر ، فإنه يجب أن يكون محدثا .